الشيخ عبد الغني النابلسي

466

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص

وقوله تعالى : أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ [ النور : 41 ] ، واللّه عليم بما يفعلون فصلاته أي رتبته في التأخر عن عبادة ربه تعالى يعني قصوره عن السبق فيها بإتيان ما يستطيع فيها ، فإن الإتيان بالمستطاع كشف للتأخر عن غير المستطاع وبيان لمقدار الاستعداد القابل لذلك وتسبيحه هو المقدار الذي يعطيه من التنزيه للحق تعالى عما لا يليق به استعداده فاعل يعطيه فما من شيء محسوس أو معقول أو موهوم إلا وهو ، أي ذلك الشيء يسبح بحمد ربه تعالى الحليم الغفور كما قال عز وجل : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً [ الإسراء : 44 ] ولذلك رأى لكونه تعالى حليما يحلم علينا فلا يعجل يتنفيذ مراده فينا ، غفورا أي ستارا يسترنا عن المؤاخذة أو يسترها عنا لا نفقه ، أي لا نفهم تسبيح العالم كله على التفصيل واحدا واحدا فالحلم يقتضي التأني بنا فيورثنا الغباوة وقلة الفهم ، والغفر كذلك ، لأنه ستر لنا وهو الحجاب يحجب بصائرنا عن المعرفة ، وذلك من كمال الرحمة بنا كالمطر الذي ينزل من السماء فتحيا به الأرض بعد موتها ، فإذا زاد أغرق فكان سببا لموت الأرض وعدم إنباتها النبات المختلف ، وليس ذلك منه تعالى لنا إلا على حسب استعدادنا لقبول ذلك ، فهو عدل منه تعالى لأنه أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ [ طه : 50 ] فأعطانا خلقنا ، فكان ذلك عدم فهم منا لتفصيل ذلك التسبيح العام من كل شيء ، وأخبرنا تعالى أن سبب ذلك تجلي اسمه تعالى الحليم واسمه الغفور علينا ، وهما اسمان جميلان ولكن اقتضيا ظهور الجلال فينا لأجل استعدادنا لظهور ذلك ، فانقلبا في حقنا اسمين جميلين لإظهارهما الجلال فينا نظير قوله تعالى : يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً [ البقرة : 26 ] ، أي بالقرآن العظيم مع أنه حق كله وهو واحد ، وكمن ظهر عند كل أحد بمقتضى استعداده ، فكان أساطير الأولين وإفكا افتراه وأعانه عليه قوم آخرون عند طائفة من الناس ، وكان قرآنا عظيما لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد عند طائفة أخرى من الناس . * * * وثمّة مرتبة يعود الضّمير على العبد المسبّح فيها في قوله : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ أي بحمد ذلك الشّيء . فالضّمير الّذي في قوله بِحَمْدِهِ [ الإسراء : 44 ] يعود على الشّيء أي بالثّناء الّذي يكون عليه . كما قلنا في المعتقد إنّه إنّما يثني على الإله الّذي في معتقده وربط به نفسه ، وما كان من عمله فهو راجع إليه ، فما أثنى إلّا على نفسه ، فإنّه من مدح الصّنعة فإنّما مدح الصّانع بلا شكّ ، فإنّ حسنها وعدم حسنها راجع إلى صانعها . وإله